عبد الشافى محمد عبد اللطيف

347

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة صار يدعى بأمير المؤمنين . في المرحلة الأولى كان الحكام من بني أمية يلقبون بالأمراء ، وأحيانا كانوا يطلقون عليهم لقب أولاد الخلائف ، وكانوا هم راضين بهذا الوضع تاركين لقب الخلافة وإمرة المؤمنين لبني العباس في بغداد ، على الرغم من أن دولتهم في عصر الإمارة قد بلغت من القوة والثراء والحضارة مبلغا عظيما ، وكان بلاطهم في عاصمتهم قرطبة لا يقل بهاء ورواء عن بلاط بغداد . ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري ، العاشر الميلادي ، رأى عبد الرحمن الثالث أن الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي قد طرأ عليها تطور جديد وخطير في الوقت نفسه ، فبعد أن كان في العالم الإسلامي خلافة واحدة هي الخلافة العباسية ، ينظر إليها جميع المسلمين نظرة التقدير والاحترام ، حتى الدويلات التي استقلت عنها في المشرق والمغرب كانت تعترف لها بالسيادة الاسمية وتخطب على منابرها باسم خلفائها . وفجأة ظهرت خلافة أخرى في شمال إفريقيا ، هي الخلافة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية سنة ( 296 ه / 909 م ) في مواجهة الدولة الأموية في الأندلس عندئذ أقدم عبد الرحمن الثالث على ذلك القرار الخطير ، فحول الإمارة إلى خلافة ، وأعلن نفسه خليفة وتلقب بأمير المؤمنين منذ نهاية سنة ( 316 ه / 929 م ) . وفي عهده وعهد ابنه وخليفته الحكم المستنصر بلغت الدولة الأموية في الأندلس ذروة قوتها وعظمتها وحضارتها وهيبتها ونفوذها السياسي والأدبي . وبوفاة الحكم المستنصر سنة ( 366 ه / 976 م ) يمكن القول : إن الدولة الأموية قد انتهت فعلا في الأندلس ؛ لأن ابن الحكم المستنصر هشام المؤيد الذي آلت إليه خلافة أبيه كان طفلا - فاستبد بالأمر المنصور بن أبي عامر ، وأصبح الحاكم المطلق هو وأولاده من بعده لمدة ثلث قرن ، وقد أطلق المؤرخون على الأندلس في تلك الفترة وصف الدولة العامرية نسبة إليهم « 1 » . وبعد مصرع عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر - الملقب بشنجول سنة ( 399 ه / 1009 م ) استطاع أحد أبناء البيت الأموي وهو محمد بن هشام أن يعتلي سدة الخلافة ولقب نفسه - أو لقبه الناس - بالمهدي ، منتزعا حق الخليفة الشرعي هشام المؤيد بن الحكم المستنصر ، وقد أمل الناس أن يكون في ذلك إقالة للخلافة من عثراتها ، لكن الواقع أثبت أن

--> ( 1 ) راجع محمد عبد اللّه عنان - دولة الإسلام في الأندلس ، مرجع سابق ( 2 / 683 ) .